محمد بن عمر التونسي

82

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وأغنى فيها ، فأحبّه الأمين قهرا عنه ، لما رأى من كفايته ، فجعله ملكا « 1 » على أهل سوميندقله ، وميّزه عنهم ، فصارت جميع الخدمة تحت يده ، يأتمرون بأمره . وحين ولّى هذا المنصب اجتهد في الخدمة زيادة عما كان عليه ، ولازم باب مخدومه ، وكان في الأمين نوع إهمال للأمور . منه : أنه كان يأتيه من الطعام وقت الغداء والعشاء ، ما ينوف عن ألف إناء ، فكان لا يلتفت إلى ذلك ، بل كان يأتيه هو ومن معه ما يكفيهم ، والباقي تتوزّعه الخدمة بغير ترتيب ، وكثير من الآنية ما يرجع إلى الحريم ملآنا « 2 » ، فالتفت محمد كرّا إلى ذلك ، ورتّبه أحسن ترتيب ، وهو أنه كان يبثّ الخدمة في أتباع سيّده ينظرون من عنده ضيف منهم ، فيأتونه بالأخبار ويقولون : فلان عنده ضيف ، وفلان . وهلمّ جرّا . فكان إذا حضر الطعام ، اختار لمخدومه من أحسنه ما يكفيه هو ومن معه ، ثم يوزّع على الخدمة كفايتهم ، ثم يوزّع الباقي على محالّ الضيوف ، كل منها على حسب حاله في المرتبة والغنى والجاه والعلم ، ويوصّى الحاملين أن يقولوا : إن الأمين أرسل لكم هذا ضيافة . والأمين لا يعلم شيئا من ذلك . فصارت الناس تشكر الأمين وتتمدّح به . ( 77 ) وحين يأتون إليه يقولون : جزاك اللّه خيرا . أرسلت لنا الضّيافة العظيمة ، فلا يوجد نظيرك في أمناء السلطان . ويثنون عليه غيبة وحضورا . فكان الأمين يتعجّب من ذلك ويقول : هؤلاء يثنون علىّ ، ويقولون إني أرسلت لهم الطعام ، مع أنى لم أفعل شيئا من ذلك ، لأنّه لا يعلم سببه . وبقي متحيّرا ،

--> ( 1 ) المقصود بالملك هنا رئيس جماعة سوميندقله . ( 2 ) كذا